حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

338

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

ألا موت يباع فأشتريه * فهذا العيش ما لا خير فيه ألا رحم المهيمن روح عبد * تصدق بالوفاة على أخيه فإن ذلك نوع من عدم الرضا بالقضاء ويدل على الجزع وضيق العطن وينافي قضية التوكل والتسليم ، أو على تمن سببه الجزم بالوصول إلى نعيم الآخرة فإن ذلك خارج عن قانون الأدب ، ونوع من الأخبار بالغيب لا يليق إلا ببعض أولياء اللّه . روي أن عليا عليه السلام كان يطوف بين الصفين في غلالة وهي شعار يلبس تحت الثوب وتحت الدرع أيضا . فقال له ابنه الحسن : ما هذا بزي المحاربين . فقال : يا بني ، لا يبالي أبوك على الموت سقط أم عليه سقط الموت . وعن حذيفة أنه رضي اللّه عنه كان يتمنى الموت ، فلما احتضر قال رضي اللّه عنه : حبيب جاء على فاقة لا يفلح من ندم . يعني على التمني . وقال عمار بصفين : الآن ألاقي الأحبة ، محمدا وحزبه . وكان كل واحد من العشرة المبشرة بالجنة يحب الموت ويحن إليه لجزمهم بلقاء اللّه ونيل ثوابه وذلك لمكان البشارة ، فأما أحدنا فلا يليق به تمني الموت إلا على سبيل الرجاء وحسن الظن باللّه « أنا عند ظن عبدي بي » « 1 » وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم « لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه وما بقي على الأرض يهودي » وليس لهم أن يقبلوا هذا السؤال على محمد صلى اللّه عليه وسلم فيقولوا : إنك تدعي أن الدار الآخرة خالصة لك ولأمتك دون من ينازعك في الأمر ، فارض بأن نقتلك ونقتل أمتك فإنا نراك وأمتك في الضر الشديد والبلاء العظيم ، وبعد الموت تتخلصون إلى دار الكرامة والنعيم ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم بعث لتبليغ الشرائع وتنفيذ الأحكام ولا يتم المقصود إلا بحياته وحياة أمته ، فله صلى اللّه عليه وسلم أن يقول لأجل هذا لا أرضى بالقتل مع أن المؤمن من هذه الأمة قلما يخلو من النزاع والشوق إلى لقاء ربه ، فالعبد المطيع يحب الرجوع إلى سيده ، والعبد الآبق يكره العود إلى مولاه ، ولهذا جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل اللّه وبذلوا أرواحهم دون الدين والذب عن الملة الحنيفية رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ [ الأحزاب : 23 ] عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال « من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه ومن كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه فقالت عائشة أو بعض أزواجه إنا لنكره الموت قال ليس ذلك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان اللّه وكرامته فليس شيء أحب إليه مما أمامه فأحب لقاء اللّه وأحب اللّه لقاءه . وإن الكافر إذا حضره الموت بشر بعذاب اللّه وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما

--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب 15 ، 35 . مسلم في كتاب التوبة حديث 1 . الترمذي في كتاب الزهد باب 51 . ابن ماجة في كتاب الأدب باب 58 .